ابن الجوزي

54

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

حتى لا يتطرق بعضنا إلى بعض ، وأراسل السلطان بما رأيته ، فإنه على نية اللحاق بنا ، ولا شك في وصوله إلى النعمانية ، وما نخالفك على شيء تراه . وما في الرجلين إلا من قصد خديعة صاحبه ، فأما ابن مزيد : فإنه أراد المدافعة بالحال لتحققه [ 1 ] بانحدار السلطان حتى يبعد عنه السرية فيصعد إلى البرية إلى حيث يأمن إلى حلته وعشيرته ، ويدبر أمر انفصاله عن البساسيري . وأما أنوشروان : فأراد أن يبعد عن القوم ليفسح لهم طريق الانصراف فإذا رحلوا تبعهم وأكب عليهم وهم مشتغلون بالرحلة عن الحرب . [ 2 ] وعاد ابن مزيد فأخبر البساسيري بما جرى ، فرد التدبير إليه وقال : الأمر أمرك ، وتأهبت السرية واستظهرت بأخذ العلوفة ، ورحل البساسيري وابن مزيد يوم الثلاثاء حادي عشر ذي الحجة والأتراك يراصدونهم ، فلما أبعدوا عن أعينهم تبعوهم فحاربوهم ، فثبت البساسيري وجماعته ، وأسرع ابن مزيد إلى أوائل الظعن ليحطه ويرد 29 / ب العرب إلى القتال ، فلم يقبلوا منه ، وأسر منصور ، وبدران ، وجماعة / أولاد ابن مزيد ، وانهزم البساسيري على فرسه فلم ينجه ، وضرب فرسه بنشابة فرمته [ إلى ] [ 3 ] الأرض ، وأدركه بعض الغلمان فضربه ضربة على وجهه ولم يعرفه ، وأسره كمشتكين دواتي عميد الملك ، وحز رأسه وحمله إلى السلطان ، وساق الترك الظعن ، وأخذت أموال عظيمة عجزوا عن حملها ، وهلك من البغداديين الذين كانوا معهم خلق كثير ، وأخذت أموالهم ، وتبددوا في البراري والآجام ، وأخذت العرب من سلم . وقد ذكرنا أن أصحاب البساسيري دخلوا إلى بغداد في اليوم السادس من ذي القعدة وخرجوا منها في سادس ذي القعدة ، وكان ملكهم سنة كاملة ، واتفق إخراج الخليفة من داره يوم الثلاثاء [ ثامن عشر كانون الثاني ، ومقتل البساسيري يوم الثلاثاء ] [ 4 ] ثامن عشر كانون الثاني من السنة الآتية [ 5 ] ، وهذا من الاتفاقات الظريفة .

--> [ 1 ] في الأصل : « ليحققه » . [ 2 ] « فإذا رحلوا تبعهم وأكب عليهم وهم مشتغلون بالرحلة عن الحرب » سقط من ص . [ 3 ] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل . [ 4 ] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل . [ 5 ] في الأصل : « الماضية » .